ابن حزم
55
رسائل ابن حزم الأندلسي
لهذا العالم " ( 1 ) . ثم يذكر عن أخيه أبي بكر وزوجه عاتكة " أنهما كانا في حد الصبا وتمكن سلطانه تغضب كل واحد منهما الكلمة التي لا أقدر لها ، فكانا لم يزالا في تغاضب وتعاقب مدة ثمانية أعوام ، وكانت قد شفها حبه وأضناها الوجد فيه " ( 2 ) ثم فرق بينهما الموت ، وليس بمستبعد ان يكون الخبر في الحالين واحداً . ومثل ذلك أيضاً قد يستشف من أخبار رواها ابن حزم عن نفسه فقال مرة : دعني أخبرك أنني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر " ( 3 ) ثم قال : " وذلك أني كنت أشد الناس كلفاً وأعظمهم حباً بجارية لي - كانت فيما خلا - اسمها نعم " ( 4 ) فهل " نعم " هي تلك الشقراء أو هي غيرها اعتقد أن إخفاء الاسم في المرة الأولى ساعد ابن حزم على الاستشهاد بالواقع الواحد في موضعين متباعدين . بل لعلي أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ، فأزعم ان ابن حزم كان يخفي اسمه أحياناً ، لتتم له رواية الحكاية على وجه مقبول ، لحساسية خاصة في طبيعة القصة . ولعل أقوى ما يمثل ذلك قصة المرأة التي أحبت في غير ذات الله عز وجل ( 5 ) فقد تفنن ابن حزم في وصفها أيام المودة ، وفي وصفها بعد التغير بما ينبئ عن لذة داخلية عميقة باسترجاع ذينك الموقفين ، ولا يحاول أحد أن يسترسل في وصف هاتين الحالتين على النحو الذي فعله ابن حزم إلا إن كان يصور علاقة ذاتية في الحكاية ، أو كان قاصاً محترفاً ، ولما لم يكن ابن حزم هو الثاني ، فذلك يجعلنا نأخذ بالفرض الأول .
--> ( 1 ) باب الوصل ( رقم : 20 ص : 185 ) . ( 2 ) باب الموت ( رقم : 28 ص : 259 ) . ( 3 ) باب من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها ( رقم : 7 ص : 130 ) . ( 4 ) باب البين ( رقم : 24 ص : 223 - 224 ) . ( 5 ) باب قبح المعصية ( رقم : 29 ص : 281 - 283 ) .